مخاطر الذكاء الاصطناعي على الشبكة الكهربائية
تختلف ثورة الذكاء الاصطناعي نوعيًا عن موجات التحول التكنولوجي السابقة؛ فهي لا تضيف طلبًا هامشيًا على الطاقة، بل تُعيد رسم خريطة الاستهلاك الكهربائي العالمي بأكملها.
يقدمّ هذا المقال قراءة تقنية في التحديات القائمة اليوم، والتي تتطلب عمل مؤسسي وتنظيمي عاجل قبل أن تتحوّل من إشكاليات قابلة للإدارة إلى أزمات لا تحتمل التأجيل.
- خطر الطلب المتزايد والضغط على الشبكة الكهربائية
تستهلك مراكز البيانات طاقة كهربائية كبيرة وتحمّل الشبكة الكهربائية العالمية ضغطًا هائلًا، ففي عام 2024 م بلغ استهلاك مراكز البيانات 415 تيرا واط/ساعة أي ما يعادل 1.5% من إجمالي الطلب الكهربائي العالمي، ويُتوقع أن يبلغ الرقم 945 تيرا واط/ساعة بحلول عام 2030 م.
تتمركز هذه المراكز جغرافيًا في الولايات المتحدة الأمريكية في عدة ولايات؛ إذ تستحوذ خمس عشرة ولاية أمريكية على نحو 80% من إجمالي الطلب الأمريكي لمراكز البيانات، مما يحمّل الشبكات الإقليمية في هذه المناطق حملًا فوق طاقتها التصميمية بمراحل.
ونتيجة لهذا الضغط على الشبكة الكهربائية والصعوبة في استيعاب الطلب المتصاعد؛ فقد اضطرت بعض شركات الكهرباء إلى تمديد عمر محطات الفحم، وإعادة تشغيل مفاعلات نووية مغلقة سابقاً لسدّ الفجوة بين العرض والطلب.
يأخذنا ذلك إلى التساؤل في حال امتلاك شبكات الكهرباء القائمة البنية التحتية الكافية لاستيعاب هذا النمو المتسارع دون الإخلال باستقرارها؟
- الفجوة الزمنية في تأسيس البنى التحتية
تُشكّل الفجوة الزمنية بين سرعة إنشاء مراكز البيانات وبطء توسّع البنية التحتية الكهربائية تحديًا مصاحبًا لواقع مراكز البيانات، حيث لا يستغرق تشييد مركز بيانات ضخم أكثر من سنتين، بينما يمتد إنشاء مشاريع توليد الكهرباء وشبكات النقل من خمس سنوات إلى ما يتجاوز العقد من العام.
وقد اتسعت هذه الفجوة مؤخرًا بشكل واضح؛ إذ ارتفع متوسط الفترة الزمنية لتشييد مراكز البيانات الكبرى من ثلاث سنوات خلال الفترة 2015-2020م إلى ست سنوات اليوم، لا بسبب تعقيدات البناء، بل بسبب شحّ الطاقة الكهربائية المتاحة للربط.
والنتيجة الاقتصادية المباشرة لهذه الفجوة واضحة؛ إذ قفزت أسعار مزادات الطاقة في تجمّع الربط الإقليمي الشرقي الأمريكي إلى ما يزيد عن عشرة أضعاف في أقل من عامين من 28.92 دولاراً للميغاواط للفترة بين 2024-2025 م إلى 329.17 دولاراً للفترة 2026-2027 م.
ولتجاوز هذه العقبة فقد لجأت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى ربط مراكز بياناتها مباشرة بمصادر توليدها الخاصة دون المرور بالشبكة العامة، ومن ذلك على سبيل المثال إبرام شركة أمازون اتفاقية شرائية لنحو 960 ميغاواط من محطة نووية في بنسلفانيا، وإبرام شركة غوغل اتفاقية مع كايروس باور لنشر مفاعلات نووية صغيرة بطاقة 500 ميغاواط من الكهرباء النظيفة لتشغيل مراكز بياناتها.
- تلوث جودة وصول الطاقة للمشترك
لا تقتصر تأثيرات مراكز البيانات على الشبكة الكهربائية الكبرى، بل تمتد لتصل إلى المشترك في منزله بطريقة، حيث تقوم هذه المراكز بسحب الكهرباء بطريقة متقطعة، وذلك له تأثير بالغ في إضعاف جودة التيار الكهربائي الواصل للمنازل المجاورة.
وقد رصدت دراسة بلومبرغ في عام 2024م بيانات أكثر من 700,000 جهاز قياس منزلي، وخلصت إلى وجود ارتباط واضح بين القرب من مراكز البيانات وتردّي جودة الكهرباء، مع تسجيل تأثيرات واضحة على المنازل التي تقع في نطاق 32 كيلومتراً من مراكز البيانات الكبرى.
وتتجلى هذه التأثيرات على المشترك بصورتين متداخلتين فمن جهة يتسبب تشوّه التيار في تقليص عمر الأجهزة المنزلية وإحداث أعطال مفاجئة قد تصل في حالاتها الحادة إلى شرر كهربائي أو حرائق منزلية، ومن جهة أخرى تنعكس تكاليف تطوير الشبكة لاستيعاب هذا النمو في فاتورة الكهرباء الشهرية على المشترك ليقوم بدفع فاتورة ثمن بنية تحتية صُممت لخدمة شركات التكنولوجيا الكبرى لا احتياجاته المنزلية.
- خطر الهجمات الإلكترونية
انتقلت مراكز البيانات من كونها مستهلكاً سلبياً للطاقة إلى نقطة ضعف هيكلية في أمن الشبكة بعد اندماجها في منظومة الشبكة الكهربائية الرقمية، كما شهدت شبكات الكهرباء الأمريكية بين عامَي 2023م و2024م ارتفاعًا في عدد الهجمات الإلكترونية بنسبة 70% بين عامَي 2023م و2024م، وهو ما يتزامن مع المرحلة ذاتها التي شهدت فيها مراكز البيانات توسعاً غير مسبوق في ارتباطها بالشبكة الكهربائية.
وما يُميّز تهديد مراكز البيانات عن الهجمات الالكترونية التقليدية على البنية التحتية للطاقة بكونه لا يستهدف معدات التوليد أو النقل مباشرة، بل يستغل طبيعة مراكز البيانات وجعل يتقلب طلبها على الطاقة بمئات الميغاواطات خلال أجزاء من الثانية، وهو ما يجعلها أداةً محتملة لزعزعة استقرار الشبكة إذا ما أُسيء التحكم بها.
فقد أدى عطل في أنظمة الحماية في حادث ولاية فيرجينيا عام 2024م إلى انفصال 60 مركز بيانات من أصل أكثر من 200 مركز دفعةً واحدة عن الشبكة، مما اضطر شركة الكهرباء إلى تقليص الإنتاج بصورة طارئة لتفادي انهيار الشبكة.
هذا يقودنا إلى التفكير في حجم الضرر الذي يمكن إحداثه في ظل وجود مراكز البيانات حين تكون الهجمات منظمة ومقصودة بدلاً عن كونها مجرد عطل تقني؟
- الانبعاثات الكربونية
لا تتحدد الانبعاثات الكربونية لمراكز البيانات بحجم استهلاكها الكهربائي وحده، بل بكثافة الكربون في الشبكة المغذّية لها؛ إذ تندرج هذه الانبعاثات ضمن ما يُعرف بـ انبعاثات النطاق الثاني، وهي الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن شراء الكهرباء من الشبكة العامة، وينبغي الإشارة إلى تفاوت انبعاثات مركزي بيانات متطابقين من ناحية المواصفات بنسبة مئة ضعف تبعاً لموقع كل واحد منهما، وتجدر الإشارة إلى أن وكالة الطاقة الدولية قدّرت انبعاثات مراكز البيانات بنحو 180 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2024م، ويُتوقع أن تصل إلى 447 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030م.
بحسب معهد أكسفورد لدراسات الطاقة ، فقد ارتفعت انبعاثات مراكز البيانات التابعة لشركات التقنية الكبرى، حيث ارتفعت انبعاثات شركة مايكروسوفت بنسبة 29% مقارنةً بعام 2020م، وسجّلت شركة غوغل ارتفاعاً بنسبة 50% في عام 2023 م مقارنةً بعام 2019م، رغم كونهما من أكبر مشتري الطاقة المتجددة عالمياً.
- فشل نماذج الذكاء الاصطناعي
يمكن أن يوظّف الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي في إدارة الشبكة الكهربائية من خلال التنبؤ بالطلب واكتشاف الأعطال واتخاذ قرارات التشغيل في الوقت الفعلي، غير أن التوسع في الاعتماد على هذه النماذج يحمل مفارقة جوهرية؛ فالنموذج الذي يُفترض أنه يحمي الشبكة قد يكون هو ذاته مصدر الخطر حين يواجه ظروفاً لم يتدرّب عليها.
تعتمد هذه النماذج على بيانات تاريخية لبناء توقعاتها، فإذا واجهت ظروفاً خارج نطاق تجربتها كموجة حر غير مسبوقة أو انقطاع مفاجئ في مصادر الطاقة المتجددة، فقد تتخذ قرارات خاطئة تُفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها.
على سبيل المثال وقبل ظهور مراكز البيانات، أدّى انقطاع التيار الذي ضرب سان دييغو عام 2011م تفاقم الانقطاع وتوسع نطاقة، حين اعتمد المشغلون على نماذج شبكة غير محدّثة.
ويزداد هذا الخطر تعقيداً مع تنامي الاعتماد المفرط على قرارات الذكاء الاصطناعي دون رقابة بشرية كافية؛ قد لا يُدرك المشغل الخطأ إلا بعد وقوع الضرر حين تبدو مخرجات النموذج منطقية للوهلة الأولى لكنها مبنية على افتراضات خاطئة. وتُشير وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن النماذج المنحازة أو سيئة التدريب قد تُعطي الأولوية للمكاسب الاقتصادية على حساب موثوقية الشبكة، وهو خطر يتضاعف تحديداً في أوقات الأزمات حين تكون الشبكة تحت ضغط هائل أو في الأحوال الجويّة القاسية.
- استنزاف الموارد المائية
لا يقتصر أثر مراكز البيانات على الشبكة الكهربائية فحسب، بل يمتد ليطال الموارد المائية، حيث تقوم هذه المراكز بتحويل معظم الكهرباء التي تستهلكها إلى حرارة يجب تصريفها باستمرار، وهو ما يستلزم كميات ضخمة من المياه، إذ يستهلك كل 100 ميغاواط من الطاقة ما يقارب مليوني لتر من المياه يومياً، أي ما يعادل الاستهلاك اليومي لنحو 6,500 أسرة.
فيُقدَّر إجمالي استهلاك المياه الناتج عن مراكز البيانات على الصعيد العالمي بنحو 560 مليار لتر سنويًا، ويُتوقع أن يرتفع إلى حوالي 1200 مليار لتر سنويًا بحلول عام 2030 م.
وتتباين حدة هذا التحدي تبعاً للموقع الجغرافي؛ ففي المناطق الحارة تزداد احتياجات التبريد بشكل مضاعف، في حين يُفاقم الاعتماد على مصادر مياه غير تقليدية كالتحلية من تكاليف التشغيل الإجمالية. وقد خلص الباحثون في دراسة بلومبرغ إلى أنه لا توجد وصفة موحدة لهذه المعضلة، بل تتوقف الحلول المثلى على تضافر عوامل متعددة تشمل كفاءة الخوادم وتقنيات التبريد والموقع الجغرافي، مما يستوجب تخطيطاً مشتركاً يقدّر الاستهلاك المائي والكهربائي لمراكز البيانات وتضمينها في استراتيجيات البنى التحتية المستقبلية لهذه المراكز.
خاتمة
لا يستقل خطر من هذه المخاطر السبعة عن المخاطر الأخرى، بل تعتبر منظومة متشابكة من الضغوط التي تتغذى على بعضها وتتضاعف، حيث لم تصمّم الشبكة الكهربائية القائمة لاستيعابها؛ مما يجعل المسؤولية المشتركة بين قطاع التقنية وقطاع الطاقة والجهات التنظيمية ضرورةً لا خيارًا.